محمد هادي معرفة

164

التمهيد في علوم القرآن

بين الخزّ والصّوف إلى أحذق البزّازين ، وإنّما يحتاج إلى التأمّل ، الشديد المتقارب الذي يشكل مثله ، ونحن نعلم أنّا على مبلغ علمنا بالفصاحة ، نفرّق بين شعر امرئ القيس وشعر غيره من المحدثين ، ولا نحتاج في هذا الفرق إلى الرجوع إلى من هو الغاية في علم الفصاحة ، بل نستغني معه عن الفكرة ، وليس بين الفاضل والمفضول من اشعار هؤلاء وكلام هؤلاء قدر ما بين الممكن والمعجز ، والمعتاد والخارج عن العادة . . وإذا استقرّ هذا ، وكان الفرق بين سور المفصّل وبين أفصح قصائد العرب غير ظاهر لنا - الظهور الذي ذكرناه - ولعلّه إن كان ثمّ فرق فهو ممّا يقف عليه غيرنا ، ولا يبلغه علمنا ، فقد دلّ على أنّ القوم صرفوا عن المعارضة ، وأخذوا على غير طريقها « 1 » . وقد عقد ( القطب ) بابا في الصرفة ، وأخذ في تقريرها وردت الاعتراضات الواردة عليها . والظاهر أنه أخذها من كلام السيّد في كتابه أو من تقرير بعض تلاميذه كالشيخ والحلبي وغيرهما . . . ومن ثم فإن ما يذكره هنا يعدّ من أجلّ معتمد السيّد في اختياره لمذهب الصرفة ، فيجدر نقل كلامه بتمامه : قال : وتقرير ذلك في الصرفة هو أنّه لو كانت فصاحة القرآن فقط خارقة ، لوجب أن يكون بينه وبين أفصح كلام العرب التفاوت الشديد الذي يكون بين الممكن والمعجز ، وكان لا يشتبه فصل بينه وبين ما يضاف إليه من أفصح كلام العرب ، كما لا يشتبه الحال بين كلامين فصيحين ، وإن لم يكن بينهما ما بين الممكن والمعجز . الا ترى أنّ الفرق بين شعر الطبقة العليا من الشعراء وبين شعر المحدثين يدرك بأوّل نظر ، ولا نحتاج في معرفة ذلك الفصل إلى الرجوع إلى من تناهى في العلم والفصاحة ، وقد علمنا أنّه ليس بين هذين الشعرين ما بين المعتاد والخارق للعادة . فإذا ثبت ذلك ، وكنّا لا نفرّق بين بعض

--> ( 1 ) الخرائج والجرائح : ج 3 ص 981 - 984 وراجع مختصره المطبوع ( سنة 1305 ) : ص 269 ونقله في البحار ص ج 89 ص 127 - 128 .